محمد عبد الله دراز

220

دستور الأخلاق في القرآن

Nietzsche ] ، وهما اللذان قصرا الأخلاقية على الشّعور بالجمال ، أو على إرادة الحياة ، وعلى أساس هذا الرّأي الأخير يتقرر أنّ القيمة الأخلاقية لا توجد مسبقا في نظام الأشياء الأزلية ، بل هي إبداع إنساني يتجاوز الإنسان به نفسه ليصبح فوق الإنسان [ Sur homme ] . ولم يدفع الفيلسوف الفرنسي فريدريك روه [ Frederic Rauh ] هذه الفكرة الثّورية إلى نهايتها ، وهي الّتي ترمي إلى أن تلغي إلغاء كاملا فكرة الإلزام ، ومعها الأخلاق نفسها . وهو ، وإن كان يعترف بسمو فكرة الواجب بالنسبة إلى الفرد ، إلا أنّه مع ذلك أراد أن يكون كلّ فرد هو صاحب مبادئه ، وأحكامه الخاصة ، ومبدعها « 1 » . ويمكن أن نقول ، دون أن نخشى إغرابا : إنّه على الرّغم من المسافة الّتي تفصل ما بين هذه الفكرة ، وفكرة « كانت » - فإنّها تلتقي معها وتتوافق في بعض المقاييس ، ذلك أنّ كلا منهما لا تبقي من فكرة الواجب إلا معناه العام ، الّذي لا يتضمن أي اتجاه خاص . بيد أنّ اختلاف الرّأيين يبدأ بعد هذا التّوافق في نقطة الانطلاق ؛ فعلى حين يحلّق الفيلسوف الألماني في سماء المنطق ، ولا يهبط نحو المحسوس إلا على مراحل ، ومع كثير من التّحفظ - نجد أنّ مؤلف « التّجربة الأخلاقية » « 2 » يسرع فجأة على الصّعيد النّفسي .

--> ( 1 ) سبق للفيلسوف الألماني فيخت [ Fichte ] أن جعل ( الضّرورة ) الّتي تواجه كلّ فرد بأن يعمل طبقا لاقتناعه - ( قاعدة ) أساسية للأخلاق ، و ( حجته ) : أنّ الضّمير لا يمكن أن يخطئ مطلقا . ولكن يبدو أنّ هذا المصطلح لم يكن له في فكره تلميذ « كانت » - هذا - نفس الصّراحة الّتي له في فكر « روه » . ( 2 ) 1 - L'expe ? rience morale